حيفا- وليد ياسين

     لم يرد مصطفى, في يوم من الأيام, يداً امتدت إليه طلباً للمساعدة, فقد آمن بقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم, وأما السائل فلا تنهر, وعمل به منذ سنوات دون أن يفكر في ما إذا كان من يقرع بابه أو يمد يده, بحاجة فعلا إلى المساعدة المادية, أو انه ينضوي في خانة المتسولين الذين اتخذوا متن التسول مهنة مربحة, لأتكلفهم أي جهد.

لكن مصطفى تغير بعدما حدث له قبل نحو أسبوعين حين طرقت شابة في أواخر العشرينات من عمرها, بابه طالبة المساعدة المادية, حين فتح مصطفى باب بيته, ألقى أمامه تلك الشابة التي كانت تضم إلى صدرها طفلاً رضيعاً, وتمد يدها إليه بورقة,وتقرأ على مسامعه طلب المساعدة كما لو كانت نصا مسرحيا حفظه عن ظهر قلب, قالت إنها من إحدى قرى الضفة الغربية, وإن الورقة التي تحملها تثبت أن طفلها في  حاجة إلى عملية زرع نخاع شوكي, وبدأت بترديد الأدعية التي سمعها مصطفى مرارا وتكرارا من متسولين طلبوا المساعدة.

لم يتردد مصطفى في مد يده إلى جيبه لإخراج ما تجود به نفسه, حين أطلت امرأته التي تمتهن التمريض, من داخل المنزل ودعت الشابة الدخول بطفلها والاستراحة وتناول الطعام, بعد دقائق بدء الطفل في البقاء, فقالت زوجة مصطفى إلى الشابة إن الطفل قد يكون جائعا, وعرضت عليه الدخول إلي احدي الغرف لإرضاع الطفل, لكن الشابة ترددت واتت بحركات أثارت شك زوجة مصطفى, ما جعلها تنادى زوجها إلى الدخل وتهمس في أذنه بأنها تشك بان الطفل ليس ابن هذه الشابة.

هذا ليس شأننا, أطعميها ودعيها تنصرف في طريقها, قال مصطفى لزوجته, لكنها, الزوجة, أصرت على تشككها وتوجهت إلي الشابة وطلبت الاطلاع على الورقة التي تحملها, وكانت فعلا من احد مستشفيات الضفة, قررت زوجة مصطفى الاتصال بالمستشفى والاستفسار عن حالة الطفل, واتصلت بطبيب سبق لها العمل معه وبعد استفسار وجيز, نقل إليها خبر صدمها ودعم شكوكها, قال لها أن الطفل الذي تسأل عنه توفى قبل أكثر من شهر, وأن والدته ما زالت تخضع للعلاج في المستشفى إثر انهيار عصبي ألم بها بعد وفاة طفلها.

عادت زوجة مصطفى إلى حيث تجلس الشابة, فألفتها متوترة, وقد اصفر وجهها, ويبدو أن الشابة شعرت بالحرج من نظرات زوجة مصطفى, وحاولت الخروج من المنزل حتى من دون الورقة إياها, إلا أن وجود مصطفى من قرب الباب منعها من ذلك, فعادت إلى مكانها وجلست منطوية على نفسها لا تعرف كيف تخرج من هذه الورطة حين جابهتها زوجة مصطفى بما حصلت عليه من معلومات.

   بعد محادثة قصيرة بين الشابة وزوجة مصطفى, تعمقت الصدمة, إذا اعترفت الشابة بأنها ليست أم الطفل, وان شخصا يعمل, كما يبدو, مقاولا للمتسولين, سلمها الطفل, وأرسلها مع غيرها من شابات جمعهن من عدة قرى في الضفة, للتسول في بيوت الفلسطينيين في منطقة 48.

أطفال الإيجار

أجرى مصطفى اتصالا بإدارة المستشفى الذي يفترض انه المسؤل عن اصدرا الوثيقة التي عرضتها الشابة, وسأل كيف يمكن للمستشفى تحرير مثل هذه الوثيقة وكيف وصلت إلي هذه الشابة أو إلي المقاول  الذي يستغل المستشفى لعمل جنائي, بل لارتكاب جريمة في حق هذا الطفل غير المعروفة هويته, وبحق الأم التي ترقد في المستشفى ألما على فراق طفلها.

وكانت الصدمة أعمق, فقد أبلغوه في المستشفى بأنهم لا يعرفوا شيئا عن الوثيقة التي تحملها الشابة, بل قالوا أنهم يعرفوا عن عمليات تزوير مماثلة لمستندات رسمية يتعامل بها هؤلاء المجرمون , لابتزاز الأموال من الأهل في الداخل.

وأكد موظف وزارة الصحة الفلسطينية, مثل هذه الحوادث قائلا: أن بعض الجهات الجنائية يوزع شهادات رسمية مزورة لكل من يدفع ثمنها, واعتبر أن هذه الوثيقة احدي شهادات التسول, وان هذا الطفل قد يكون ابن احدي العائلات الفقيرة التي تؤجر أطفالها لمثل هؤلاء المجرمين مقابل بضعة شواقل, كي يستغلوهم في التسول.

                        لم يكن أمام مصطفى ما يفعله, غير تمزيق الوثيقة وإرسال  الشابة                          في طريقها, والألم يعتصر قلبه.

المصدر: جريدة الحياة الخميس 2010/1/12 صفحة 18
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 342 قراءة
Square_284

ساحة النقاش

منتدى الأطفال العرب يوليو2012

المقالات الأحدث

  • إتفاقية حقوق الطفل

    تهدف الاتفاقية إلى وضع معايير للدفاع عن الأطفال ضد الإهمال والإساءة اللذين يواجهونهما، بصورة يومية وبدرجات متباينة، في جميع البلدان. وتحرص الاتفاقية على إفساح المجال للفروق الثقافية والسياسية وللاختلافات المادية بين الدول. أما أكثر الاعتبارات أهمية فهو مصلحة الطفل الفضلى.

  • اللعب ومراحل النمو عند الطفل

    اللعب حركة عضوية أو فعل إرادي منجز في حدود معينة من حيث الوقت والمكان يصاحبه وعي من الطفل ذاته، كما أن اللعب هو حقيقة واقعة بالنسبة للطفل وهو الوظيفة الحقيقية للطفولة في مجملها و سبب وجودها أن اللعب فترة يستغل خلالها الطفل قواه لداخلية و يصل إلى اللذة التي لا يشعر بها غيره وهذه الفعلية تعبير عن شخصية الطفل .

  • أهداف منتدى أطفال تونس

    ويهدف هذا المنتدى إلى التعريف بمنتدى الأطفال العرب، وبعث نموذج تونسي لمنتدى أطفال العرب، وتشجيع مشاركة الأطفال وخلق فرص للاستماع إليهم والتعرف على وجهات نظرهم، إلى جانب تعزيز قدرات الأطفال في التعبير باستعمال أدوات فنية. ويهدف منتدى الأطفال العرب إلى التأكيد على أهمية مشاركة الأطفال وتشجيع وتيسير مشاركتهم الفاعلة والعمل على دعم مناخ اجتماعي مناسب

  • اليوم الثالث من الدورة التدريبية منتدى الأطفال العرب بتونس وموقع sawa-online.org

    تقديم لانطلاق اشغال ورشات تدريب اليوم الثالث من ملتقى منتدى الأطفال العرب بتونس

  • العنف ضد الطفل - زهــيــر عــزعــوزي

    العنف المسلط على الأطفال واحد من أهم المواضيع المطروحة في المجتمع العربي

أحدث الصور

شرفتنا

السيدة مارتا سانتوس بابي (برتغالية الجنسية) ممثل خاص للأمين العام للأمم المتحدة بشأن العنف ضد الأطفال.
جارى التحميل