الرّقص، الجسد، التربية

undefined

إنّ محاولة البحث في مفهوم التربية يجرّنا إلى الخوض في عديد الاتجاهات إذ أنّ تعاريفها كثيرة و الباحثون في طرائقها و أساليبها كثر و يكفينا كدليل على ذلك ذكر بعض أسماء «الاتجاهات التي دشّنها التيّار المعاصر: اتجاهات التربية السلبية، و التربية المضادة والتربية العلاجيّة والمؤسّساتيّة ودينامكية الجماعة»، و ذلك بغضّ النّظر عن الاتجاهات القديمة.

و لعلّ هذا راجع إلى تعدّد أبعاد الكائن الإنساني الذي تقاربه التيّارات التربويّة بالرّجوع إلى مدارسها الأمّ و التي عادة ما تركّز على بعد من أبعاده المختلفة فمنها ما يكتفي بالجانب الفكري المجرّد و يهمل الجسد و منها ما يعتبر الدّماغ صندوقا مغلقا لا يمكن معرفة ما يجري بداخله على غرار المدرسة السّلوكيّة لتختزل الإنسان في سلوكاته والمثيرات التي تتسبّب فيها فيتحوّل الجسد بذلك إلى مجرّد أداة أو آلة تتحكّم فيها المثيرات.

لكنّ تعدّد أبعاد الكائن الإنساني المعقّد لم يعق الأبحاث عن التوصّل إلى مفهوم «التربية الشاملة» و هي كما عرّفناها سالفا، مختلف الأنشطة التربويّة التي تستهدف تنمية كلّ من المعارف الذهنيّة و الحركيّة و النفس-حركيّة و كذلك الوجدانيّة العاطفيّة. و لعلّ أقرب التيّارات المتّفقة مع مبادئ التربية الشّاملة، النّظريّة الجشطلتيّة حيث يتمّ حسبها «التعامل مع الأشياء في إطارها الكلّي دون التفاصيل»[1] فالطّفل كلّ لابدّ من مراعاة انسجام أبعاده الفكريّة و الجسديّة و العاطفيّة لكن عديد المجتمعات و الثقافات مازالت تقع في خطأ إقصاء الجسد من العمليّة التربويّة و ذلك إمّا بالاقتصار على تنمية المكتسبات الذهنيّة باعتماد أنشطة حركيّة رياضيّة دون الاهتمام بالجوانب العلائقيّة و الإدراكيّة-الحركيّة.

و هو العيب الذي تنتقده Véronique DEREUX في مجتمعها الفرنسي قائلة أنّ الجسد لا يعدّ في ثقافتهم جزءا من العمليّة التربويّة الشّاملة حيث يكتفون في تربية أطفالهم بتنمية المعارف الذهنيّة دون الاهتمام بالجانب الحسّي الحركي، و تعلّل انتقادها بأنّ كلّ من الذّكاء الموسيقي و ذكاء الأعضاء kinesthésique و الذكاء المتعلّق بالفضاءـ و الذكاء الشّخصي الدّاخلي و الخارجي لا تتطوّر إلاّ بتطبيق ملموس للفعل الحركي و بذلك تتحسّن مختلف أنواع الذّكاء ممّا يسهّل اكتساب اللّغة والذكاء المنطقي-الرّياضي لكن ذلك مشروط بفسح المجال للطّفل لممارسة النّشاط الجسدي.

و يتعرّض «جان بول رزفبر» في كتابه «النّظريات التربويّة الحديثة» إلى المرجعيّة الفلسفيّة لظاهرة إهمال الجسد أثناء القيام بالعمليّة التربويّة، «فالتربية كما تصوّرها الفكر الأفلاطوني اهتمت بيقظة النفس و الرّوح، على حساب الجسد الذي اعتبر، إن لم يكن عائقا فعلى الأقل مقاوما لاكتساب العلم»

و انتشر هذا التفسير ملازما عديد التيّارات و الاتجاهات التربويّة ومتسبّبا في «أهميّة ثانويّة للرّياضة، للموسيقى و للرّقص». و بقى مسيطرا على العقول حتى ظهور «روسو مع فكرة الطّبيعة لكي ينخرط الجسد و النفس في المصير نفسه» و تستعيد الأنشطة الحركيّة و الجسديّة شيئا من قيمتها. و سنحاول خلال هذا البحث التركيز على نشاط حركي يمكن اعتماده كأداة تربويّة و بيداغوجيّة و هو الرّقص إذ تقول Véronique DEREUX في هذا الشأن «باعتماد بيداغوجيا موجّهة للأطفال حتى الصّغار منهم يمكن للرّقص أن يكون تربويّا»

فبالإضافة إلى علاقة هذا النشاط الواضحة بالجسد والوعي به أكّد الفيلسوف الإنكليزي "هيفلوك أليس" في كتابه «رقصة الحياة» ارتباطه بالجانب الرّوحي و ذلك في قوله «إنّنا إذا كنّا لا مبالين في نظرتنا إلى الرّقص، فإنّنا لا شكّ فاشلون ليس في تفهّم الظّاهرة السّامية للحياة الماديّة فحسب بل وفي تفهّم الرّمز السامي للحياة الروحيّة أيضا»


 

المصدر

سفيان سالم

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 192 قراءة
Square_1273
نشرت فى 30 مارس 2014
بواسطة sofyan

ساحة النقاش

جارى التحميل

أحدث الصور

المقالات الأحدث